المحاور
Newsletter
Email:

المضاربون والمتلاعبون بسعر الصرف يقفون وراء التضخم والارتفاع الجنوني للأسعار.. بعد أكثر من خمسين يوماً على تشكيلها .. الآمال معلقة بما تفعله ضابطة الصرافة العدلية في الإطباق على السوق السوداء

حجم الخط: Decrease font Enlarge font

عكست هذه الأزمة التي تدور رحاها في سورية على شكل حربٍ قذرة غير مسبوقة في تاريخ البشرية، العديد من الظواهر الرائعة تارة،

والشاذة تارة أخرى، وبما يتناسب مع الحالات المستجدة التي طرأت على مجتمعنا، ففي الوقت الذي رأينا وعشنا مع فئة عريضة من الناس عملت بدأب وإخلاص على دعم الليرة السورية بشتى الوسائل، وأقامت الحملات من أجل ذلك، سواء كان بالإيداعات في البنوك السورية التي غصَّت بالسيولة أخيراً، أم بعدم الانجرار نحو بيع وشراء الليرة والمضاربة بها في السوق السوداء، فترجمت بذلك حالة وطنية رفيعة المستوى،‏

في هذا الوقت رأينا وعشنا مع فئة أخرى ضيقة ولكنها مؤذية وهدّامة، ووصل البعض منها أحياناً إلى درجة التخلي وعدم الاكتراث بالمصلحة الوطنية، فراح هذا البعض يفعل عكس ما فعلته الفئة الأولى، حيث هبَّ هؤلاء لسحب إيداعاتهم، واندفعوا نحو شراء القطع الأجنبي بلا مبرر حقيقي سواء من البنوك وشركات الصرافة، أم من السوق السوداء غير النظامية.‏

استهداف الليرة بالجريمة‏

ولم يكتفِ هؤلاء بما هو متاح، فتحول الجشع عند هذا البعض منهم إلى حالة فجّة وغير مقبولة ولا معقولة حتى وصلوا بغيّهم إلى حالة الجريمة الاقتصادية عندما أدمنوا على التعاطي مع السوق السوداء، وتبنّوا مستسهلين عمليات المضاربة بالليرة، حتى تمكنوا من تحقيق انخفاضات متعاقبة لها وصلت اليوم إلى أكثر من 200% عما كانت عليه قبل اندلاع الأحداث، الأمر الذي يؤكد أن هؤلاء يقومون باستهداف الليرة السورية بشكل ممنهج لضرب القطاع التجاري بمختلف مكوّناته ووجوهه وصولاً إلى حالة التضخم الشديد وجنون الأسعار بعد أن يضطر التاجر لرفع أسعار مستورداته من أجل تغطية هذا الفارق الكبير بسعر الصرف، وقد أدى هذا إلى انكماش واضح في الأسواق سواء من خلال انكفاء بعض التجار وإيقاف أنشطتهم، فيما خفف بعضهم الآخر من هذه الأنشطة تحسباً من الوقوع في مخاطر معينة ناجمة عن التغيّرات العميقة والصادمة في سعرالصرف، ما أدى إلى تقليص التشكيلة السلعية بشكل كبير بعد أن كانت واسعة وغنية جداً في الأسواق السورية، ولكن هذا التقليص لم يكن في الواقع على حساب الاحتياجات الأساسية التي بقيت متوفرة فعلياً، ولا حتى على حساب الكثير من السلع غير الأساسية، إذ يمكننا القول بأن التشكيلة السلعية التي كانت واسعة وغنية بشكل ممتاز قد غدت اليوم تشكيلة واسعة وغنية بشكل جيد، وقد توقف الوضع عند هذا الحد نتيجة التنوع الحقيقي للاقتصاد السوري، وقدرة الأراضي السورية ومختلف فروع الانتاج على طرح منتجات عديدة.‏

المضاربة خفضت مستوى المعيشة‏

كما ساهم هذا الانكماش بانخفاض مستوى المعيشة الناجم عن تآكل الدخل والواردات بسبب هبوط قيمة الليرة إلى هذا المستوى الصعب، حيث فك الكثير من المستهلكين ارتباطهم الوثيق بالسوق المحلية، وصاروا يختصرون الكثير من السلع سواء بالاستغناء عنها أم بتخفيض الكميات المعتادة وذلك للتقليل ما أمكن من النفقات التي لم تعد تحتمل أي إسراف أو إغداق على المنزل، ولا حتى مجرد التفكير بذلك لأن النتائج ستغدو عندها أكثر من وخيمة.‏

هذه الوقائع الصعبة التي صرنا نعيشها يومياً ولحظياً كلها ناجمة عن المضاربة الإجرامية المسعورة بالليرة السورية في السوق السوداء، وقد اتّخذ مصرف سورية المركزي إجراءات عديدة لمجابهة هذه الظاهرة الخطيرة، وعلى الرغم مما يتعرّض المركزي لانتقادات شديدة من الداخل حيث يتهمه البعض بأنه لا يقوم باتخاذ الإجراءات اللازمة والمناسبة، ولا يتدخّل بالشكل الصحيح للحد من ارتفاع سعر الدولار مقابل الليرة، وعلى الرغم مما يتعرّض لهجوم تضليلي شرس من الخارج، لتشويه صورته وسمعته وإظهار - بأية طريقة مزورة وكاذبة كانت - بأنه أضعف من أن يواجه تلك العواصف الهوجاء التي يشنّها عليه أعداء سورية من عربٍ وعربان خائبين قبل الأجانب، على الرغم من ذلك كله فإن الكثير من المحللين المصرفيين والمتابعين المنصفين يعتقدون جازمين بأن ما يجري في سورية كان كفيلاً بأن يخفّض من قيمة الليرة أكثر من ذلك بكثير، ويراهنون بأن الولايات المتحدة لو أنها تعرّضت إلى نصف ما تعرّضت له سورية لكان الدولار قد انهار، ولكنّا قادرين على أن نشتري بالليرة الواحدة عشرات الدولارات.‏

أضخم من إجراءات المركزي‏

هذا يعني في الواقع أن مصرف سورية المركزي يتّخذ إجراءات جدية على الأرض لايستهان بها غير أن حجم الاستهداف ضخم جداً وكثيف إلى حد كبير ومن مختلف أنحاء العالم تقريباً، فهو يفوق حجم الإجراءات بكثير، وهذا أمر طبيعي، ولكن وعلى الرغم من ذلك فإن مصرف سورية المركزي لا يتوانى عن صدّ هذه الهجمات بإجراءاته.‏

ضابطة للصرافة .. ولكن‏

ولعل من أواخر هذه الإجراءات التي نتوقع لها أن تكون فعّالة ومؤثرة، كانت بتشكيل ضابطة عدلية لضبط مخالفات الصرافة وتهريب العملات، حيث أصدر مجلس النقد والتسليف برئاسة حاكم مصرف سورية المركزي الدكتور أديب ميّاله قراراً بتشكيل هذه الضابطة العدلية المؤلفة من ضابطة مركزية تمارس صلاحياتها على كافة الأراضي السورية، وضابطات فرعية تمارس صلاحياتها في المحافظات السورية وفق اختصاصها المكاني لضبط جرائم ممارسة مهنة الصرافة أو نقل الأموال خارج الأراضي السورية دون ترخيص، والجرائم الأخرى التي تنص عليها القوانين ذات الشأن.‏

وأوضح القرار بأن الضبوط تُنظم من قبل ثلاثة أعضاء على الأقل وإلا عُدّت باطلة، على أن تُمارس المهام بمهمة رسمية تكون صالحة لثلاثة أيام فقط ضمن نطاق المحافظة، وأسبوعاً إذا كانت خارج نطاق المحافظة بالنسبة للضابطة المركزية، كما أجاز القرار للضابطة ممارسة مهامها دون تشكيل دورية مشتركة، وفي هذه الحالة يتم حجز المبالغ المالية دون توقيف الأشخاص على أن تُضبط الوقائع بدقة بما في ذلك الحصول على البطاقة الشخصية للمخالف وتدوين بياناته بالإضافة إلى طلب الهوية الشخصية لأي شخص موجود في مكان المخالفة لضبط سبب وجوده، كأن يكون متعاملاً مع المخالف أو شريكاً له أو شاهداً، ثم يتم تنظيم الضبط اللازم ورفعه إلى النيابة العامة.‏

وأجاز القرار للضابطة تشكيل دورية مشتركة مع الجهات المختصة ولا يقل فيها أعضاء ضابطة الصرافة عن اثنين وتتولى ضابطة الصرافة رئاسة الدورية، وفي حال كان أحد أعضاء الجهات المختصة ضابطاً يتولى بنفسه رئاسة الدورية، وفي هذه الحالة يتم تنظيم ضبط مشترك على الدفتر الخاص بالجهة المختصة، ويوقع كافة أعضاء الدورية المشتركة على الضبط، ويساق المخالف موجوداً إلى النيابة العامة .‏

ووفق هذا القرار لمجلس النقد والتسليف يتم حجز المبالغ المالية المضبوطة سواء كانت بالعملة السورية أم بالقطع الأجنبي، ويتم تنظيم جدول جرد يوقع عليه المخالف وله حق الاحتفاظ بنسخة أصلية ويتم إيداع هذه المبالغ لدى المصرف المركزي أو أحد فروعه لحين البت بها بحكم قضائي واجب التنفيذ، وفي حال وجود ممانعة من المخالفين تعيق ممارسة الضابطة لعملها ولم تكن الضابطة تمارس مهامها بدورية مشتركة يتم تنظيم ضبط بمخالفة الصرافة وفق المشاهدات المتاحة وتوثيق واقعة الممانعة بالضبط وفي حال كانت الممانعة لدى ممارسة الضابطة لمهامها بدورية مشتركة تتولى الجهة المختصة مهامها بإلقاء القبض على المخالف.‏

نقل الأموال إلى الخارج‏

وبالنسبة لنقل الأموال خارج سورية يتم تنظيم ضبط من قبل ضابطة الصرافة تبعاً لضبط الجمارك المرسل إلى المصرف المركزي أو أحد فروعه، ويطلب إلى الجمارك إرسال المبالغ المضبوطة إلى المصرف المركزي أو أحد فروعه لإيداعها أصولاً، ثم ترسل مطالبة إلى النيابة العامة لاتخاذ إجراءات قضائية.‏

شراكة الجمارك‏

وأجاز القرار للضابطة تشكيل دورية مشتركة مع ضابطة الجمارك لتفتيش السيارات على النقاط الحدودية، حيث تتولى ضابطة الصرافة رئاسة الدورية، ولكن في حال كان أحد أعضاء ضابطة الجمارك برتبة ضابط فيتولى رئاسة الدورية، ويتم تنظيم الضبط اللازم .‏

ونوّه القرار إلى منح رجال الضابطة المكلفون بطاقة خاصة تعتمد من قبل لجنة إدارة المصرف المركزي، كما يجري اعتماد دفتر ضبوط من قبل اللجنة ذاتها ترقم صفحاته وتمهر بخاتم مصرف سورية المركزي على كل صفحة منه وتنظم الضبوط فيه بخط اليد ولا يجوز نزع أي صفحة، وبعد الانتهاء من كتابة الضبط يمهر بالخاتم المحدد، ومن ثم يتم نسخه على الحاسب وعلى أربع نسخ أصلية ممهورة بالخاتم أيضاً، ويتم توقيعه من قبل منظمي الضبط، في حين ترسل نسخة إلى النيابة العامة، ونسخة تحفظ لدى الضابطة المركزية، ونسخة لدى الفرع، والنسخة الرابعة إلى إدارة قضايا الدولة لممارسة حق الادّعاء الشخصي.‏

لا امتهان لنقل الأموال‏

ثم ينتهي القرار للتنويه عن إجراءات تنظيمية لافتاً إلى أن إدخال القطع الأجنبي أو العملة السورية إلى داخل سورية لا يعتبر مخالفة تستوجب الملاحقة إلا إذا كانت هذه الأموال منقولة بقصد امتهان نقل الأموال عبر الحدود دون الإخلال بالملاحقة وفق القوانين والأنظمة النافذة الأخرى ولاسيما مخالفة قانون هيئة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، ومخالفة قرارات مصرف سورية المركزي المتعلقة بشحن الأموال.‏

وماذا بعد ..؟‏

في الحقيقة يعتبر هذا القرار من الإجراءات الحساسة والهامة التي يمكن أن يكون لها أثراً بالغاً في إنعاش سعر صرف الليرة وتراجع سعر الدولار فيما لو جرى تفعيل القرار بشكل قوي ليأخذ أبعاده المرجوّة على الأرض، وقد بدأت هذه الفعالية تظهر على الأرض، حيث سمع الكثيرون بتلك الدورية المشتركة بين وزارة الداخلية والبنك المركزي، والتي أسفرت عن مصادرة مبالغ من القطع الأجنبي ومن الليرة السورية، كما قام مصرف سورية المركزي مؤخراً بإلغاء ترخيص شركتين من شركات الصرافة المعروفة بالبلد بعد ضبطهما متلبستين في حالة من العهر النقدي والمالي وهما تمارسان فتح مخادعهما الآمنة والشريفة لرواد السوق السوداء والتورّط في مستنقع المضاربة.‏

على كل حال لا يزال هذا القرار غير مفعّل كما يجب، إذ لا تزال آثاره وسمعة العمل به ضئيلة جداً، ولم تأخذ بعد ( ضابطة الصرافة ) تلك مداها ولا حدّها الممكن، ولا تزال تكتنز صلاحياتها التي يمكن من خلالها تهدئة السوق وفرض السعر المناسب للعملات، ويمكن تقدير ذلك بأنها لا تزال في بداياتها، غير أن هذه البدايات كأنها قد طالت أكثر مما ينبغي حيث مضى على اتخاذ القرار الناظم لضابطة الصرافة أكثر من خمسين يوماً إلى الآن، ولا تزال آثاره على الأرض خفيفة، وسوف نبقى نشير إلى قلة هذه الآثار حتى لا نعود نرى أولئك الذين يستخفون بنا جميعاً ويتحدّون مصلحة الوطن وهم لا يتوقفون عن الترويج للصرافة في السوق السوداء، سواء في ساحة المحافظة وأمام بوابات وكوى المصرف التجاري السوري، أم في ساحة المرجة وبالقرب من وزارة الداخلية، أم في قلب سوق الحميدية ودهاليزه، وفي العديد من الأماكن التي تشهد مثل هذا الترويج الذي يزيدنا عطشاً واندفاعاً نحو الارتواء بتحقيق الآمال التي نعلقها على ضابطة الصرافة .‏

 

أضف إلى: Add to your del.icio.us | Digg this story
  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة
قيم هذا المقال
0