تعتمد على مواد فعالة مستوردة وأمننا الدوائي مرتبط بإنتاجها محلياً...متى تخرج صناعتنا الدوائية من قمقم التشكيل الصيدلاني للدواء؟
قطعت صناعاتنا الوطنية للدواء أشواطاً بالغة
الأهمية من التطور والنمو حتى غدت تغطي اليوم نحو 93% من حاجة البلاد للدواء، وهناك محاولات من الجهات المعنية لرفع هذه النسبة إلى 95% خلال عام 2012.
لكن صناعة الدواء الوطني تعتمد بشكل كلي على مواد أولية مستوردة من الخارج، ما يجعل منها أقرب إلى التشكيل الصيدلاني للدواء، على حين تقوم الصناعات الدوائية على أمرين هما إنتاج المواد الفعالة، والتشكيل الصيدلاني الذي تدخل فيه هذه المواد وصولاً إلى إنتاج الدواء.
الدكتورة رجوة جبيلي معاونة وزير الصحة لشؤون الدواء بينت لـ«الوطن» أن إنتاج المواد الدوائية الفعالة أمر مرتبط بشكل وثيق بموضوع الأمن الدوائي الذي يظل منقوصاً في سورية مع استمرار اعتماد صناعة الدواء فيها على الغير في المواد الأولية المستورة، وعندما نعتمد على مواد أولية مصنوعة محلياً نحقق الأمن الدوائي الكامل، وتزداد جودة أدويتنا وتنخفض أسعارها بشكل لافت، كما أن مقاطعة الكثير من الدول لسورية والعقوبات المفروضة على الشعب السوري تشعرنا بالكثير من القلق من تهديد أمننا الدوائي وهنا تظهر أهمية الموضوع.
وقالت الدكتورة جبيلي: كان هناك محاولات كثيرة للبدء بصناعة مواد أولية فعالة للدواء في سورية ولكنها لم تتوج بالنجاح، فهذا المشروع يحتاج إلى خبرات عريقة وصيغ ليست متوافرة لدينا، كما أن الشركات الكبرى المصنعة في العالم تعتبر الدول الأخرى سوقاً جاهزة لمنتجاتها ولا يمكن أن تقدم لها خبراتها التي بنتها خلال عشرات السنين كي لا تخرج من نطاق الاعتماد عليها.
وأضافت الدكتورة جبيلي: الإمكانات في سورية موجودة ولكن الأمر يتطلب تجميع الخبرات المبعثرة في الجامعات وكليات العلوم والصيدلة ومراكز البحوث ومعامل الدواء، ومهندسي البترو كيمياء وغيرها من الخبرات، لتعمل في إطار واحد يجمعها للبدء بالخطوة الأولى، وقد يتطلب الأمر سنوات طويلة من العمل والجهد والبحث وصولاً إلى النتائج المرجوة، ولكن تجميع هذه الخبرات لم يتوافر حتى الآن فكل يعمل وحده، ولا يوجد تعاون فيما بينها، على حين يتطلب الأمر تعاون جميع هذه الجهات معاً.
وأشارت الدكتورة جبيلي إلى أن تكاليف التأسيس لصناعة محلية للمواد الأولية الدوائية ستكون باهظة جداً، لأنها تتطلب إنشاء معامل وآلات جديدة، ومفاعلات خاصة، ولذلك يجب النظر إلى هذا المشروع كاستثمار طويل الأمد، يبدأ بإنتاج بعض المواد الأولية ويتوسع تدريجياً للاستفادة من المواد الخام المتوافرة في سورية «حصراً» لصناعة هذه المواد من بترول وفوسفات ومعادن وأعشاب وغيرها الكثير.
وأوضحت الدكتورة جبيلي: المواد الأولية الفعالة تستوردها معامل الدواء بإجازات استيراد نظامية، ولكن هناك الكثير من المشكلات التي قد تؤثر في جودة هذه المواد، فالجمارك هي الجهة المخولة بأخذ العينات وتحليلها في مخابرها للتأكد من نقاوتها وصلاحيتها، وقد يؤدي فتح البراميل التي تحتوي على المواد الفعالة بهدف أخذ العينات إلى إفساد هذه المواد، كما أن شروط الحفظ والتخزين في معظم مستودعات الجمارك سيئة جداً، فبعض هذه المستودعات هي هنكارات غير مجهزة بأي شرط من شروط الحفظ المطلوبة، وأسقفها من المعدن وفيها الكثير من الفتحات، ما يسمح بتسرب المياه في الشتاء، ووصول درجة الحرارة في الصيف إلى درجات عالية مع عدم وجود أجهزة تكييف، وتوضع الأدوية فيها على الأرض مباشرة.
وقد بينت جولة لوزارة الصحة منذ سنوات قليلة على أحد هذه المستودعات أنه لا تتم مكافحة القوارض المنتشرة في المستودع وأن هناك خلطاً بين المواد الدوائية والمواد السامة (المبيدات) القابلة للاشتعال، مع وجود تسرب في أحد براميل المبيدات.
كما شملت الجولة المذكورة مستودعات جمارك دمشق آنذاك قرب قصر المؤتمرات، وتبين أن المواد الأولية توضع في العراء من دون توافر أي شرط من شروط الحفظ المطلوبة، إلى أن يتم تخليصها من الشركات المستوردة.
وبينت الدكتورة جبيلي أن المواد الأولية تتطلب شروط تخزين خاصة وبعضها يحتاج إلى التخزين في مبردات، ومن دون هذه الشروط قد تتلف هذه الأنواع بسرعة كبيرة.
ويبدو أن هناك المزيد من المشكلات، فوزارة الصحة لا تطابق كميات المواد الأولية المستوردة مع كميات الأدوية المنتجة في معامل القطاع الخاص، وهذا قد يخلق مشكلة أخرى تتعلق بتهريب مواد أولية بشكل غير نظامي بعيداً عن إجراءات التحليل المتبعة، وجولات وزارة الصحة على بعض المعامل كشفت بحسب مصادر في الوزارة الكثير من الأدوية والمواد الأولية المرفوضة والتي تم سحبها وإتلافها، ولكن الوزارة هنا تعتمد على أخذ عينات عشوائية وهذا ليس كافياً.
بدورها تحدثت مديرة الشؤون الصيدلانية في وزارة الصحة الدكتورة هند سباعي عن فكرة إنتاج مواد دوائية فعالة في سورية مبينة أن هذا الأمر يواجه الكثير من المعوقات، فالقطاع الخاص وبالرغم من تشجيع وزارة الصحة لإنتاج هذه المواد محلياً، ومنحها التراخيص اللازمة لعدة معامل في سورية، لم يتخذ هذا القطاع أي خطوة في هذا الاتجاه وذلك لأن السوق المحلية صغيرة جداً مقارنة مع كميات الإنتاج المفترضة ولذلك فإن المشروع بالنسبة للقطاع الخاص لا جدوى اقتصادية منه.
ومن هنا تبدو الدولة هي الجهة الوحيدة القادرة على تبني مثل هذا المشروع، ولعل الخطوة الأولى اللازمة في هذا السياق هو تشكيل هيئة من العلماء في مراكز البحوث ومن أساتذة الجامعات ومعامل الدواء وغيرهم من أصحاب الخبرات اللازمة للمباشرة بوضع خطط العمل ومتطلباته والبحوث المطلوبة في سبيله، والاستعانة بكل من تراه هذه الهيئة مناسباً ومفيداً لهذا المشروع، على أن يعتمد على المواد المتوافرة في سورية حصراً من نباتات وأعشاب ومن عناصر أخرى كالنفط والفوسفات والمعادن وغيرها، أما موضوع الجدوى الاقتصادية فيمكن حله بالبحث عن أسواق خارجية تباع فيها فوائض الإنتاج بعد تلبية حاجة السوق المحلية من المواد اللازمة للأدوية البشرية أو لبعض من أنواعها، وكذلك الأدوية الحيوانية التي تعتمد على المواد الفعالة نفسها.





